أبو حامد الغزالي
160
تهافت الفلاسفة
أن لا تكون له علة قابلية فهو « 1 » ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ، ولكنه مع هذا قديم ، ولا فاعل له ، فما المحيل لذلك ؟ ! . فإن قيل : واجب الوجود المطلق هو الذي ليست له علة فاعلية ولا قابلية ، فإذا سلم أن له علة قابلية ، فقد سلم كونه معلولا . قلنا : تسمية الذات القابلة علة قابلية ، من اصطلاحكم ؛ والدليل لم يدل على ثبوت واجب وجود ، بحكم اصطلاحكم ، وإنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ، ولم يدل إلا على هذا القدر ، وقطع التسلسل ممكن بواحد له صفات قديمة ، لا فاعل لها ، كما أنه لا فاعل لذاته ، ولكنها تكون متقررة في ذاته ، فليطرح لفظ واجب الوجود فإنه يمكن اللبس فيه ، فإن البرهان لم يدل إلا على قطع التسلسل ، ولم يدل على غيره البتة ، فدعوى غيره تحكم . فإن قيل : كما يجب قطع التسلسل في العلة الفاعلية يجب قطعه في القابلية ، إذ لو افتقر كل موجود إلى محل يقوم فيه ، وافتقر المحل أيضا إلى محل لزم التسلسل ، كما لو افتقر كل موجود إلى علة ، وافتقرت العلة أيضا إلى علة . قلنا : صدقتم ، فلا جرم قطعنا هذا التسلسل أيضا ، وقلنا : إن الصفة في ذاته ، وليست ذاته قائمة بغيره ، كما أن علمنا في ذاتنا ، وذاتنا محل له ، وليس ذاتنا في محل ، فالصفة انقطع تسلسل علتها « 2 » الفاعلية مع الذات ، إذ لا فاعل لها ، كما لا فاعل للذات ، بل لم تزل الذات بهذه الصفة ، موجودة بلا علة لها ولا لصفتها ، وأما العلة القابلة فلم ينقطع تسلسلها إلا على الذات ، ومن أين يلزم أن ينتفى المحل حين تنتفى العلة ، والبرهان ليس يضطر إلا إلى قطع التسلسل ، فكل طريق أمكن قطع التسلسل به ، فهو وفاء بقضية البرهان الداعي إلى واجب الوجود .
--> ( 1 ) الحديث عن الصفات كما هو واضح إذ هي التي أمرها مشكل في نظر الفلاسفة ، ولهذا فالمناسب أن يقول : « فهي ليست . . . إلخ » ( 2 ) في نسخة « انقطع التسلسل عليها مع الذات » .